المغرب والذكاء الاصطناعي ـ طريق MAROC IA 2030 والتحول الرقمي

الذكاء الاصطناعي

ماذا يعني هذا التقدم فعليًا؟

حين يُعلن عن تقدم دولة ما في مؤشرات الجاهزية للذكاء الاصطناعي، فإن السؤال الأهم لا يكون: كم ارتفع ترتيبها؟ بل: ماذا يعكس هذا الارتفاع على أرض الواقع؟
في حالة المغرب، سجلت سنة 2025 صعودًا بـ14 نقطة دفعة واحدة في مؤشرات الجاهزية العالمية للذكاء الاصطناعي، ما مكنه من بلوغ المرتبة 87 عالميًا، والثامنة إقليميًا على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. هذا التقدم تزامن مع استعداد الحكومة لإطلاق خارطة الطريق الوطنية MAROC IA 2030، التي يُنتظر أن تشكل الإطار المرجعي للذكاء الاصطناعي في السنوات المقبلة.

لكن بين الأرقام المعلنة، والتصنيفات الدولية، والخرائط الاستراتيجية، تبقى الحاجة قائمة إلى قراءة هادئة تفكك المعطيات، وتضعها في سياق التحول الرقمي العالمي، بعيدًا عن الخطاب الاحتفالي أو الوعود الجاهزة.
فهل يعكس هذا التقدم تحولًا حقيقيًا في بنية الاقتصاد الرقمي المغربي؟ أم أنه مؤشر أولي على مسار لا يزال في بدايته؟


قراءة في تصنيف المغرب عالميًا وإقليميًا

ماذا تعني المرتبة 87 عالميًا؟

المرتبة 87 عالميًا لا تعني أن المغرب أصبح من الدول الرائدة في الذكاء الاصطناعي، لكنها تشير إلى خروجه التدريجي من دائرة “الجاهزية الضعيفة” إلى مستوى “الجاهزية المتوسطة الناشئة”.
هذه المرتبة عادة ما تعكس تحسنًا في عدة مؤشرات، من بينها:

  • الإطار المؤسساتي والسياساتي

  • البنية التحتية الرقمية الأساسية

  • مستوى إدماج التقنيات الرقمية في الإدارة

  • وجود مبادرات أولية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي

غير أن هذه المؤشرات لا تقيس بالضرورة عمق الاستخدام أو أثره الاقتصادي المباشر، بقدر ما تقيس القدرة المحتملة على التطوير والتبني.

مقارنة إقليمية هادئة

على المستوى الإقليمي، يحتل المغرب المرتبة الثامنة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهي منطقة تتسم بتفاوت كبير بين دول ذات استثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي، ودول لا تزال في مراحلها الأولى.
هذا الموقع يضع المغرب في خانة الدول التي تحاول بناء نموذج متوازن، يعتمد على:

  • التدرج بدل القفزات السريعة

  • التركيز على البنية الأساسية قبل التطبيقات المتقدمة

  • ربط الذكاء الاصطناعي بالإصلاح الإداري وليس فقط بالقطاع الخاص

حدود المؤشرات الدولية

رغم أهميتها، تبقى المؤشرات الدولية أدوات قياس نسبية، لا تعكس دائمًا واقع الاستخدام اليومي للتكنولوجيا، ولا تقيس جودة الحكامة أو الاستدامة.
فالتقدم في الترتيب لا يعني تلقائيًا تحسنًا في الخدمات، ولا يضمن انتقال الذكاء الاصطناعي من الوثائق الاستراتيجية إلى الممارسة اليومية.


الذكاء الاصطناعي في الاستراتيجية الرقمية المغربية

دور وزارة الانتقال الرقمي

أكدت وزيرة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، أمل الفلاح السغروشني، أن الذكاء الاصطناعي أصبح محورًا أساسيًا في استراتيجية التحول الرقمي بالمغرب، خاصة في ما يتعلق بتحديث الإدارة وتحفيز الاقتصاد الرقمي.
هذا التوجه يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الذكاء الاصطناعي ليس قطاعًا مستقلًا، بل أداة عرضانية تمس مختلف السياسات العمومية.

إحداث مديرية متخصصة

من بين الخطوات المؤسساتية اللافتة، إحداث مديرية مخصصة للذكاء الاصطناعي داخل الوزارة، وهو تطور يعكس انتقال الموضوع من مستوى الخطاب إلى مستوى التنظيم الإداري.
وجود مديرية متخصصة يعني:

  • تنسيق المبادرات

  • تتبع المشاريع

  • صياغة الأطر التنظيمية

  • الربط بين الذكاء الاصطناعي وباقي برامج التحول الرقمي

مفهوم “الاستخدام المسؤول”

من النقاط التي تم التأكيد عليها رسميًا، اعتماد مقاربة “الاستخدام المسؤول” للذكاء الاصطناعي، وهو مفهوم يكتسي أهمية خاصة في السياق المغربي، حيث تتقاطع قضايا:

  • حماية المعطيات الشخصية

  • العدالة الرقمية

  • الشفافية الإدارية

  • الثقة في الخدمات الرقمية


خارطة طريق MAROC IA 2030: الخلفيات والأهداف

لماذا الآن؟

إطلاق خارطة طريق وطنية للذكاء الاصطناعي في هذا التوقيت يعكس تراكمًا تدريجيًا لعدة عوامل:

  • نضج نسبي للبنية الرقمية الأساسية

  • توسع رقمنة الإدارة

  • تزايد الضغط الدولي نحو إدماج الذكاء الاصطناعي

  • الحاجة إلى إطار موحد ينسق المبادرات المتفرقة

أهداف عامة دون تفاصيل تنفيذية دقيقة

حسب المعطيات المتوفرة، تهدف MAROC IA 2030 إلى:

  • إدماج الذكاء الاصطناعي في السياسات العمومية

  • دعم الابتكار الرقمي

  • مواكبة المقاولات الصغرى والمتوسطة

  • تحسين جودة الخدمات العمومية

غير أن نجاح هذه الأهداف سيظل مرتبطًا بمدى تحويلها إلى برامج عملية، بآجال واضحة، وموارد بشرية ومالية كافية.

علاقتها بالمناظرة الوطنية

خارطة الطريق ترتبط أيضًا بمخرجات المناظرة الوطنية حول الذكاء الاصطناعي، ما يمنحها بعدًا تشاوريًا، لكنه يطرح في المقابل سؤال الاستمرارية بين النقاش العمومي والتنفيذ الفعلي.


أثر الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد المغربي

الإدارة العمومية: من الرقمنة إلى الذكاء

في الإدارة، يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي كمرحلة متقدمة بعد الرقمنة، تهدف إلى:

  • تحسين معالجة الملفات

  • تقليص الزمن الإداري

  • دعم اتخاذ القرار

  • تعزيز الاستهداف في السياسات العمومية

لكن هذا الانتقال يتطلب جودة عالية في المعطيات، وهو تحدٍ لا يزال مطروحًا بقوة.

المقاولات الصغرى والمتوسطة

بالنسبة للمقاولات الصغرى والمتوسطة، يمثل الذكاء الاصطناعي فرصة لتحسين:

  • التسيير

  • التسويق الرقمي

  • تحليل الطلب

  • أتمتة بعض العمليات

غير أن هذه الفرص تبقى مشروطة بالولوج إلى الأدوات، والتكوين، والدعم التقني.

الاقتصاد الرقمي كمنظومة

الذكاء الاصطناعي لا يصنع اقتصادًا رقميًا بمفرده، بل يشتغل داخل منظومة تشمل:

  • البنية التحتية

  • التشريعات

  • الكفاءات

  • الثقافة الرقمية


البنية التحتية الرقمية: شرط لا يمكن تجاوزه

الصبيب العالي كقاعدة

لا يمكن الحديث عن ذكاء اصطناعي دون صبيب عالٍ ومستقر، وهو ما جعل توسيع الشبكات ذات السرعة العالية جزءًا أساسيًا من الرؤية الرقمية.

المناطق القروية والفجوة الرقمية

التركيز على تعميم الربط في المناطق القروية يعكس وعيًا بخطر تعميق الفجوة الرقمية. فذكاء اصطناعي متمركز في المدن الكبرى فقط، قد يزيد من التفاوتات بدل تقليصها.

مبادرة VSAT

اعتماد حلول مثل VSAT لتغطية المناطق النائية يمثل مقاربة عملية، وإن كانت مكلفة، لضمان حد أدنى من الولوج الرقمي.

الألياف البصرية

توسيع شبكة الألياف البصرية يشكل العمود الفقري لأي استخدام متقدم للتقنيات الرقمية، بما فيها الذكاء الاصطناعي.


التحديات الواقعية أمام المغرب

الفجوة الرقمية

رغم التقدم، لا تزال الفجوة الرقمية قائمة بين الفئات الاجتماعية والمجالية.

الكفاءات البشرية

الذكاء الاصطناعي يتطلب مهارات متقدمة، من تحليل المعطيات إلى هندسة الخوارزميات، وهو مجال يعاني فيه المغرب من منافسة دولية قوية على الكفاءات.

التمويل والاستدامة

التمويل العمومي وحده غير كافٍ، لكن جذب التمويل الخاص يتطلب وضوح الرؤية واستقرار الإطار التنظيمي.

الحكامة والتنسيق

تعدد المتدخلين قد يتحول إلى عائق إذا غاب التنسيق والوضوح في الأدوار.


فقرة استشرافية: ماذا يمكن أن يتغير بحلول 2030؟

بحلول 2030، يمكن للذكاء الاصطناعي أن:

  • يعيد تشكيل الإدارة العمومية

  • يحسن جودة الخدمات

  • يدعم اتخاذ القرار

  • يعزز كفاءة الاقتصاد الرقمي

لكن الفرق بين الطموح والتنفيذ سيظل العامل الحاسم. فالذكاء الاصطناعي ليس مسألة تقنية فقط، بل خيار سياسي ومؤسساتي طويل النفس.

تقدم المغرب في مؤشرات الجاهزية للذكاء الاصطناعي سنة 2025 يمثل إشارة إيجابية، لكنه لا يشكل نهاية المسار، بل بدايته الفعلية.
خارطة طريق MAROC IA 2030 تضع إطارًا عامًا، غير أن نجاحها سيقاس بقدرتها على الانتقال من الوثيقة إلى الأثر.

في النهاية، يبقى الذكاء الاصطناعي أداة ضمن أدوات التحول الرقمي، وليس حلًا سحريًا لمشكلات التنمية. والمتابعة النقدية، والتحليل الهادئ، سيظلان ضروريين لفهم هذا التحول في عمقه، وهو ما يسعى موقع نحن المغرب إلى تقديمه عبر مقالاته التحليلية.

رد على التعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

🌤️ الطقس في الرباط

طقس الرباط

🌡 16.2°C

الحالة: غائم جزئياً

💧 الرطوبة: 72%

منصّة مغربية تقدّم معلومات موثوقة ومبسّطة حول الحياة في المغرب، فرص العمل، والسفر من وإلى المغرب
لمساعدتك على فهم الخيارات واتخاذ القرار الأنسب